السيد كمال الحيدري

504

أصول التفسير والتأويل

الاختلاف وليس هو بالواحد والاثنين من التفاوت والتناقض ، بل الاختلاف الكثير ، وهذا ناموس كلّى جار في الإنسان وما دونه من الكائنات الواقعة تحت قانون التحرّك والتكامل العامّين ، لا ترى واحداً من هذه الموجودات يبقى آنين متوالين على حال واحد ، بل لا يزال يختلف ذاته وأحواله . وهذا الكتاب جاء به النبىّ صلى الله عليه وآله وقرأه على الناس قطعاً قطعاً في مدّة ثلاث وعشرين سنة في أحوال مختلفة وشرائط متفاوتة في مكّة والمدينة ، في الليل والنهار ، والحضر السفر ، والحرب والسلم ، في يوم العسرة وفى يوم الغلبة ويوم الأمن ويوم الخوف ، ولإلقاء المعارف الإلهية من المبدأ والمعاد والخلق والإيجاد ، ثمّ الفضائل العامّة الإنسانية ، ثمّ القوانين الاجتماعية والفردية الحاكمة في البشر جميعاً حكومة لا يشذّ منها دقيق ولا جليل ، ثمّ القصص والعبر والمواعظ ، ولا يوجد فيها أىّ اختلاف ، لا اختلاف التناقض بأن ينفى بعضها بعضاً أو يتدافعا ، ولا اختلاف التفاوت بأن تتفاوت الآيتان من حيث تشابه البيان أو متانة المعاني والمقاصد ، فيكون البعض أحكم تبياناً وأشدّ ركناً ، فالآية تفسّر الآية ، والبعض يبيّن البعض ، والجملة تصدّق الجملة كما قال علىّ عليه السلام : « ينطق بعضه ببعض ويشهد بعضه على بعض » . ولو كان من عند غير الله لاختلف النظم في الحسن والبهاء والقول في الشداقة والبلاغة والمعنى من حيث الفساد والصحّة ومن حيث الإتقان والمتانة . التحدّى بالعلم وقد تحدّى بالعلم والمعرفة خاصّة بقوله تعالى : وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ ( النحل : 89 ) ، وقوله : وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ ( الأنعام : 59 ) ، إلى غير ذلك من الآيات . . .